وجهة نظر 2020-04-03 12:21:00

محمد السعيد يكتب: إعصار الفلاشا ورياح الربيع العبري يحلقان في سماء إسرائيل

post

 

لعل المتابع لحالة التوتر التي تجتاح دولة الإحتلال الإسرائيلي هذه الأيام ، يجد أن الأمر جلل ، و يستدعي إهتمام كل من سمع به ، فالأحداث الدامية التي تحدث حالياً في الداخل الإسرائيلي تجعل كل من كان يخيل إليه أن هذه البقعة من الأرض يملؤها العدل والمساواة ، مستبعداً بخيالاته الزائفة أن مثل هذه الوقائع ما كانت تشهدها إسرائيل يوماً. فقد أصبح اليوم واقعاً يتبدد أمام مايدور فيها الآن .

وحينما نبحث في صلب الحقائق يتبين لنا أن هذا الكيان الإسرائيلي لايبارحه في كل أحواله مبدأ العنصرية ، مستميلاً بطبعه التمييز وكأنه ألف هذه الممارسات في معاملاته اليومية حتى مع مواطني دولته ، فليس من الغريب أن يعامل بها أصحاب الأرض الأصليين من”الفلسطينيين” ٠

وحين نتحدث عن لب هذا الصراع الأخير الذي حل بهذه الدويلة ، فيجب أن نبحث أولاً عن آثاره وأسبابه تاريخياً ، والتي تراكمت حتى أصبح الوضع لايطاق إلى أن أدى إلى ما آلت إليه الأوضاع حالياً ، فالقصة بدأت منذ أن وصل يهود الفلاشا أو يهود أثيوبيا إلى إسرائيل في موجتين للهجرة الأولى في العام ١٩٤٨ في عملية أطلق عليها اسم عملية “موسى” ، والثانية كانت في بداية تسعينيات القرن الماضي في عام ١٩٩١ في عملية أسموها “سليمان”، وأغلبهم كان قد وصل بحقيبة ملابسه فقط وحتى من دون معرفة باللغة العبرية محاولين الاندماج في هذا المجتمع الجديد ، واستمرت هجرة اليهود الأثيوبيين إلى دولة الكيان القائم بالاحتلال “إسرائيل ” حتى وصلت أعدادهم إلى أكثر من 144 ألف إسرائيلي من أصل إثيوبي ، أو مايطلقون على أنفسهم “بيتا إسرائيل”، فبالرغم من أن هذه النسبة من السكان أصبحت تفوق نسبة ٢٪من سكان إسرائيل إلا أنهم يمارس ضدهم درباً من طرق العنصرية ، حيث أن يهود الفلاشا يعاملون في إسرائيل كمواطنون من الدرجة الثانية ، ولايسمح إلا بنسبة ٥٥.٤٪ فقط من إجمالي عددهم الحصول على الشهادة الثانوية ، ولا ينال منهم سوى نسبة ٣٩٪ من الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات بحسب دراسات . 

فيما أظهرت نتائج إحدى الدراسات أن متوسط الدخل الشهري لعائلات اليهود من أصل أثيوبي أقل بنسبة 35% بالمقارنة مع المجموعات الأخرى من المتواجدين في إسرائيل ، عوضاً عن أن غالبية يهود الفلاشا يزاولون أنشطة وأعمالاً متدنية الأجور لا تحتاج إلى تأهيل علمي ، مثل قطاع النظافة و الأغذية ، بالإضافة إلى صدور تقرير للمديرة العامة بوزارة العدل الإسرائيلية “إيمي بالمور” ، والذي طالب بإجراء إصلاحات رئيسية في أحوال الإسرائيليين من أصول إثيوبية ، وقد مرت عليه عدة سنوات دون تفعيل لبنوده ، الأمر الذي يثبت وبما لايدع مجالاً للشك العنصرية الذي بدا عليها الداخل الإسرائيلي ، وما يؤكد هذا الوضع المرير الذي يعيشه أبناء طائفة الفلاشا هو اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي ” بنيامين نتنياهو” بأن الأقلية الإثيوبية في إسرائيل تواجه “مشكلات” لكنه في الوقت ذاته ناشد المحتجين التوقف عن إغلاق الطرق عقب أحداث العنف التي شهدتها إسرائيل مؤخراً والتي كان سببها قيام أحد ضباط الشرطة الإسرائيلية المتقاعدين بقتل شاب إثيوبي يدعى” سولومون تاكه”، البالغ من العمر (١٨ ربيعاً) حال وقوع شجار بينهما بمدينة حيفا يوم 29 يونيو الماضي ، حيث قام الشرطي بإطلاق النار على الشاب فأرداه قتيلاً و بدم بارد ، ما أجج انتفاضة عارمة من قبل طائفته من الإثيوبيين، وجعلهم يرددون شعارات تقول “حياة السود مهمة” في إشارة بالغة الأهمية تشير إلى تدهور أحوالهم المعيشية في ظل عنصرية تمارس ضدهم من قبل الحكومة في إسرائيل .

ولعل المهتمين بالشأن الإسرائيلي يؤكدون صعوبة دراسة هذا الواقع بسبب كثرة طوائفه وأجناسه المختلفة ، فقبل بضع سنوات تحدثت مع أحد الأصدقاء ، وهو أحد الخبراء الأمنيين ، الذين سبق لهم العمل بجهاز المخابرات العامة المصرية ، وسألته عن كيفية تحليل الواقع الإسرائيلي ودراسته ، فأجابني وهو صاحب الخبرة المصقلة والتي اكتسبها خلال عمله السابق بأحد أهم أجهزة الاستخبارات في المنطقة وأعرقها قائلاً:

إن الواقع الإسرائيلي لايمكن جمع معلومات عنه أو دراسة أحواله إلا عن طريق المعايشة ، هذه المعلومة ألحت على خاطري كثيراً ، وخاصة بعد المناوشات الأخيرة ، والتي تطورت فيما بعد لتصل إلى حد المصادمات واشتباكات دامية بين الجانبين نتج عنها جرحى ومصابين وخسائر مادية وصفت بالجسيمة ، الأمر الذي من شأنه أن يظهر طبيعة إحدى الطوائف المكونة لدولة إسرائيل وهي” يهود الفلاشا” .

وحين نفند رأي المحلل العسكري “عاموس هارئيل”، والذي تنبأ بهذا التوتر الحاصل اليوم بالداخل الإسرائيلي ، في تصريح له منذ سنوات قائلاً: إن الاضطرابات في العالم العربي ، ستؤثر على إسرائيل من نواحي عديدة ، لذلك فإن القيادة الإسرائيلية في القدس تدرك أنه من غير الممكن الحفاظ على الاستقرار لفترة طويلة ، في ظل حالة من عدم الاستقرار العامة ، أي أن حالة الفوضى الإقليمية ستؤثر على وضع إسرائيل حتى لو لم تؤدي بالضرورة وبشكل مباشر إلى تصعيد على الحدود .

وهذا ما يؤكد أن إسرائيل باتت في غير مأمن من هبوب رياح “ربيع عبري” عاتية متأثرةً بثورات الربيع العربي التي اجتاحت أنحاءً عديدة من وطننا العربي مسببة له المتاعب ، أو لربما تشتد سخونة الصيف بإسرائيل لتذيقها نفس الكأس التي كانت قد نفثت فيه سمها بالسودان حتى قسمته ، وينقلب السحر على الساحر ، وينادي يهود الفلاشا الثائرين بالانفصال عن إسرائيل؟!! .

Sidebar Banner
Sidebar Banner