وجهة نظر 2020-04-03 18:55:00

محمد السعيد يكتب..إشكالية "البطالة" وضحاياها من حملة المؤهلات العليا

post

 

لعلي لم أشير في السابق بالشكل الكافي إلى مشكلة "البطالة" ، واستشعاراً لمدى أهمية هذا الملف وحساسيته في الوقت الراهن ، فاختصصت ب "البطالة" مقالتي هذه ، ذلك لأنها تعد إحدى معوقات التنمية ، ولأنها أبرز نتائج الفساد نظراً لسوء الإدارة من قبل من يأتون على رأس مؤسسات الدولة ، وهم غير جديرين بمناصبهم ، بالإضافة إلى سوء تقديرهم للمواقف . 

 ولشائكية هذا الموضوع والذي أصبح من الواجب على صناع القرار إعادة إمعان نظرتهم المستقبلية في كيفية الإستفادة من الخبرات والطاقات البشرية في عمليات التنمية وفي المجالات كافة ، لذا فقد كان لزاماً علينا أن ندرك أنه من الطبيعي أن "الفرد" كان ولايزال ، وبحسب مانصت عليه دساتير العالم أجمع "مسئولية الدول وحكوماتها"،  فقد كان أحرى بالحكومة المصرية الحالية أو من تحل بديلاً عنها في الفترة المقبلة أن تتوافر لديها رؤىً مستقبلية واضحة للقضاء على معضلة "بطالة مواطني الدولة المصرية" وتوظيف طاقاتهم ، كل حسب تخصصه ، وبما يعود بالفائدة على البلاد ، بحيث يعتمد عليهم في بناء دولة حديثة ،  ترسى قواعدها بالفكر المستنير ، ويكون مواطنوها أفراداً صالحين يقدرون قيمة العمل وأهمية شراكتهم في عملية التنمية ليتعزز بهذا الحق لديهم قيم المواطنة والانتماء . 

وقد حرصت على أن يكون موضوع مقالتي التي هي بين أيديكم عن" بطالة المواطنين من حملة الشهادات العليا لا سيما الماجستير والدكتوراه" ولم أقتصرها على الفئة العمرية التي تصل إلى الخامسة والثلاثين فحسب ..! بل إنما سأتخطى ذلك بعدة سنوات . 

ولعلي في إختياري لعنوان هذا الموضوع راعيت أن أوضح الواقع الأليم الذي يعيشه العديد من مواطني مصر ، الذين عاشوا طيلة حياتهم يأملون في الحصول على فرصة عمل تحقق لهم مستقبلاً كريماً ، فسهروا الليالي وتحملوا المشاق والصعاب لنيل شهادات عليا في تخصصات علمية مختلفة .

فمنذ أن أتم هؤلاء تعليمهم ، وتخرجوا في الجامعات المختلفة لم يجدوا فرصة العمل التي لطالما حلموا بها ليحققوا بها ذاتهم الذين سعوا إلى هذا السبيل كثيراً ، لكن للأسف بات سعيهم هذا من دون جدوى .. فقد أصبح كثير منهم ضمن ممن يطلق عليهم اسم العمالة الغير منتظمة ، أو عمال اليومية والأجراء ، أو أنهم العاطلون تماماً عن العمل!

هذه الفئة التي أصبحت في كثير من الأحيان لا تجد ما يسد رمقها إذا لم تجد عملاً تقتات منه كل يوم ، وتبدد حلمهم في أن  يكونوا أسرة يحيون في كنفها مطمئنين ، وكأنهم سقطوا من حسابات حكومات تعاقبت عليهم طيلة فترات حياتهم ، حتى تخطوا سن الأربعين ، من دون أن يجد الواحد منهم العمل الذي يقيه غلظة الدنيا ، ويضمن له الإستقرار وطيب العيش ، فأصبحوا يدورون في فلك الحياة القاسية وكأنهم الهائمون على وجوههم فلا مستقبل لديهم ولاحق لهم في عيش حياة كريمة . 

هذه الفئة من المواطنين الذين أفنوا سنوات من عمرهم من دون أن يجدوا من يهتم بهم أو يرعاهم . 

فهؤلاء المواطنون كانوا ضحية المسئولين الذين جاءوا على مدار عقود طويلة ، ولم يراعوا حقوق أولئك البسطاء من مواطني مصر ، فأصبحوا لا صوت لهم ولا معين!

فحين كانت تأتي الفرص في التعيين للوظائف  سواء بالقطاعين العام أو الخاص ، وقبل كل شيئ كانت الوظائف نصيب كل ذي واسطة ومحسوبية فهكذا كان الحال وإلى الآن وللأسف الشديد ، فشروط المعلن عن فرص العمل لا تراعي هؤلاء الذين أسقطوهم من حساباتهم ، واختصوا في شروطهم لشغل الوظائف فئات عمرية حددتها قراراتهم الغبية والغير مسئولة ، فاقتصرت على فئة وأسقطوا قهراً وعدواناً  آخرون ، وحين يسألون عن حقهم في فرص العمل ، تجد الحجج والأعذار التي لا تجدي نفعها ، وكأن كل من تخطى الخامسة والثلاثين من العمر بات مكتوباً عليه أن يكون من فئة المواطنين من الدرجة الدنيا ،  أو أنه طبقاً لقرارات المسئولين الغاشمة ، وكما يطلق عليهم المثل المصري كخيل الحكومة حين يتقدم بها العمر، فكلنا يعلم مصيرها المحتوم .

فكان لزاماً علينا أن نعلم يقيناً بأن الوظيفة العامة حق لكل مواطن كما كفلها له الدستور المصري .

وبالرغم من مساعي الدولة المصرية في تقليص نسبة البطالة بتوفير فرص عمل لأبنائها في مشروعاتها التي بدأ العمل فيها خلال الأربعة سنوات الماضية ، وكذا المبادرات والإقتراحات التي طرحت على مائدة الحكومة في الفترة الأخيرة ، والتي راعى فيها أصحابها عدم تهميش فئة من المجتمع على حساب الأخرى أو إهمالها عمداً أو من دون قصد ، ومد يد العون لهم كاقتراح أوصى أصحابه بضرورة توفير مايسمى ببدل بطالة ، لمن لم يصبه الحظ في أن ينال فرصة عمل ، وأن هناك ما أنجز على أرض الواقع مثل برنامج تكافل وكرامة ، والتي بدأت فيه الدولة المصرية مؤخراً بحصر الفئات العمرية الفقيرة لضمها فيه ، والذي تنفذه وزارة التضامن الإجتماعي حالياً ، و يوفرون من خلاله دعماً مالياً لهؤلاء البسطاء الذين أرهقتهم قرارات المسئولين وللأسف الشديد باتوا ضحايا لهم ، فبالرغم من هذه المساعي إلا أنها غير كافية ، ولابد أن تبذل قصارى الجهود لإحتواء كل مواطن عاطل عن العمل وإشراكه في عمليات التنمية وبناء الوطن ، من دون إستثناء كأحد حقوقهم الأصيلة ، وكواجب عليهم في أن تشارك سواعدهم في بناء الأوطان ، ذلك لأن غالبيتهم قادرون على العمل والبناء ، ولا يحبذون الحصول على دعم مادي من دون جهد في المقابل ، لذا كان من الضروري الإستفادة من قدراتهم وتخصصاتهم في بناء الدولة المصرية الجديدة .

ورسالتي للسيد المسئول أنه بات ينبغي عليك أن تعي جيداً أن" كل راع مسئول عن رعيته " ، وأن الغالبية من هؤلاء المواطنين الذين لا يقلون وطنية منك وحباً لهذا الوطن الذي نتشارك فيه ويسعنا جميعا ً، كانوا ولا يزالون على إستعداد تام لتقديم طلبات العمل التي لم يتوانو عنها ولو لمرة تعلنوا فيها عن مسابقة للتعيين في أحد الوظائف كي يثبتوا لكم أنهم لاتزال لديهم الطاقة والحماسة للعمل ، والقدرة على تحمل المسئولية والمساهمة في بناء وطنهم ، فكان من الواجب عليك أن ترعاهم الدولة ومؤسساتها وأن تكون عوناً لهم ، وأن تصيبهم قراراتك سيادة المسئول بالمنفعة ، بدلاً من تهميشهم وإقصائهم ، وبهذا تكونوا قد أديتم حق الدولة تجاههم ، ولا يكون بيننا "مواطن بدرجة عاطل" .

Sidebar Banner
Sidebar Banner